في كثير من الوقائع الطبية لا يكون الطبيب هو الطرف الوحيد المعني، بل تكون هناك منشأة صحية تقدم الخدمة، سواء كانت مستشفى خاصًا أو مركزًا طبيًا أو مصحة أو معملًا. ومن هنا يبرز سؤال مهم: من يتحمل المسؤولية عن الخطأ الطبي؟ الطبيب أم المنشأة أم هما معًا؟ والإجابة تتوقف على طبيعة العلاقة بين الطبيب والمنشأة ونوع الخطأ والظروف المحيطة به.
أساس مسؤولية المنشأة
قد تُسأل المنشأة عن الأخطاء الطبية من خلال عدة أسس. الأول أنها مسؤولة عن أعمال تابعيها وفق قاعدة مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، إذا وقع الخطأ من التابع أثناء أداء وظيفته أو بسببها. والثاني أنها مسؤولة عن خطئها الذاتي، كالتقصير في التجهيزات أو نقص الكوادر أو ضعف إجراءات مكافحة العدوى أو سوء تنظيم العمل. والثالث أنها قد تكون مسؤولة عقديًا تجاه المريض الذي تعاقد معها لتلقي الخدمة، فتلتزم بتوفير الرعاية والسلامة.
علاقة التبعية: متى يعد الطبيب تابعًا؟
يشترط في قاعدة المتبوع والتابع أن تكون للمنشأة سلطة فعلية في توجيه الطبيب ورقابته. فإذا كان الطبيب موظفًا بعقد عمل يخضع لتعليمات المنشأة وجداولها، فهو تابع في الغالب. أما الطبيب الزائر أو الاستشاري المستقل الذي يستخدم مرافق المستشفى ويتعاقد مع المريض مباشرة وتكون له الاستقلالية الفنية الكاملة، فقد تختلف الصورة، وقد تُسأل المنشأة عن جوانب أخرى كالتجهيزات. وتختلف أحكام المحاكم بحسب ظروف كل علاقة، ولذلك تُدرس العقود وطريقة العمل الفعلية لا مجرد التسمية.
متى يتحمل الطبيب بمفرده؟
قد يتحمل الطبيب المسؤولية منفردًا عندما يكون الخطأ قرارًا فنيًا خالصًا تفرد به وهو مستقل مهنيًا، أو عندما يخالف تعليمات المنشأة وبروتوكولاتها. وفي المقابل قد تتحمل المنشأة منفردة عندما يكون الخطأ ناتجًا عن عطل جهاز أو نقص دم أو خطأ إداري أو سوء تنظيم لا دخل للطبيب فيه.
هل يرتبط هذا الموضوع بواقعة تواجهها؟
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.
توزيع المسؤولية عند التعدد
كثيرًا ما تتعدد الأطراف: طبيب أول ومساعد وتخدير وتمريض وإدارة. وهنا تنظر المحكمة في دور كل طرف وفي مدى مساهمته في النتيجة. وقد يتضامن المسؤولون في دفع التعويض تجاه المريض، ويكون لمن دفع حق الرجوع على الآخرين بقدر نصيب كل منهم من الخطأ. ويحتاج الدفاع إلى بيان حدود دور موكله وأن الخطأ المنسوب ليس من اختصاصه أو أنه لا يد له فيه.
أهمية العقد بين الطبيب والمنشأة
ينبغي لكل طبيب يعمل في مستشفى أو مركز خاص أن يقرأ عقده بعناية، وأن يتحقق من النقاط الآتية:
- نطاق العمل وحدود الاستقلال الفني.
- من يتحمل التأمين على المسؤولية المهنية.
- كيفية التعامل مع الشكاوى والمطالبات.
- حق الرجوع بين الطرفين عند الدفع.
- التزام المنشأة بتوفير الأجهزة والكوادر اللازمة للإجراءات.
- مدة حفظ الملفات وحق الطبيب في الاطلاع عليها عند النزاع.
وغياب هذه البنود يتسبب في خلافات حادة عند وقوع الحادث، فيحاول كل طرف إلقاء المسؤولية على الآخر.
مسؤوليات المنشأة المباشرة
تلتزم المنشأة بترخيص سليم وتجهيزات صالحة وصيانة منتظمة للأجهزة، وبتوافر كوادر مؤهلة بأعداد كافية، وبتطبيق معايير مكافحة العدوى والسلامة، وبحفظ الملفات الطبية وحمايتها، وبوضع بروتوكولات مكتوبة للحالات الشائعة والطارئة. وعندما تقصر في هذه الالتزامات فقد تتحمل المسؤولية حتى لو لم يثبت خطأ فردي محدد من طبيب بعينه.
من القراءة إلى فهم موضوعك.
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.
توصيات للأطباء العاملين في المنشآت
- احتفظ بنسخة من عقدك ولوائح المنشأة.
- لا تباشر إجراءً يحتاج تجهيزات غير متاحة دون تسجيل التحفظات كتابة.
- أبلغ الإدارة كتابيًا بأي نقص يعوق السلامة.
- وثق التعليمات الشفهية التي تتلقاها إن كانت تتعلق بإجراء مهم.
- تأكد من وجود تأمين كافٍ يغطي أنشطتك داخل المنشأة.
- عند أي حادث أخطر المنشأة وشركة التأمين واستشر محاميك.
مثال توضيحي
افترض أن مريضًا أُجريت له عملية في مركز جراحي خاص على يد استشاري زائر، وتبين أن أحد أجهزة التعقيم كان معطلًا فحدثت عدوى لعدة مرضى. هنا تقع مسؤولية المنشأة المباشرة عن الجهاز والتعقيم، وقد لا تتحمل الطبيب الزائر عن هذا الجانب إذا لم يكن له دور فيه. أما إذا قرر الجراح إجراء العملية رغم علمه بعطل الجهاز وعدم تدوين اعتراضه، فقد يتقاسم المسؤولية.
ويبين المثال أهمية تحديد من كان مسؤولًا عن ماذا، وأن الطبيب الذي يكتب تحفظاته ويرسلها للإدارة بشكل موثق يملك حجة أقوى في بيان أنه لم يتجاهل المخاطر.
نقطة تنظيمية أخيرة
يفيد أن تحتفظ المنشأة بسجل مكتوب لجداول المناوبات وأسماء الفريق المشارك في كل إجراء، لأن تحديد من كان حاضرًا ومن كان مسؤولًا يختصر كثيرًا من الجدل. وكلما كان هذا السجل دقيقًا سهل توزيع المسؤولية على أصحابها الحقيقيين بدلًا من تحميل الجميع أو أحدهم دون وجه حق.
الخلاصة
مسؤولية المنشآت الصحية عن الأخطاء الطبية قائمة على أسس متعددة، وتتفاعل مع مسؤولية الأطباء بحسب طبيعة العلاقة وظروف الواقعة. والطبيب الذكي هو من يعرف موقعه القانوني داخل المنشأة، ويقرأ عقده جيدًا، ويوثق أي نقص في الإمكانات، ويحتفظ بتغطية تأمينية مناسبة. وعند وقوع نزاع، فإن المحامي المتخصص هو من يرسم حدود المسؤولية بين الطبيب والمنشأة ويدافع عن موقف موكله.
كل واقعة لها تفاصيلها. لنتحدث عن موضوعك.
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.