من الأسئلة التي يطرحها الأطباء بقلق: هل يبقى الطبيب مهددًا بالمساءلة إلى الأبد عن واقعة قديمة؟ وهل يمكن لمريض أن يرفع دعوى بعد مرور سنوات على العلاج؟ الإجابة تتعلق بنظام التقادم، وهو من القواعد القانونية التي تهدف إلى استقرار المراكز القانونية وعدم ترك الأشخاص عرضة لدعاوى قديمة يصعب الدفاع عنها بعد ضياع الأدلة وغياب الشهود. ولكل نوع من الدعاوى مدد خاصة به، وقد تتغير هذه المدد بتعديل التشريعات، لذا ينبغي دائمًا التحقق من النص السارى وقت الواقعة.
ما هو التقادم؟
التقادم هو مرور مدة زمنية يحددها القانون دون مطالبة بالحق، فيترتب على ذلك سقوط الحق في رفع الدعوى أو سقوط الدعوى ذاتها بحسب نوعها. ويُشترط عادةً أن يتمسك به صاحب المصلحة، فلا تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها في الدعاوى المدنية. وفي المسائل الجنائية قد تقضي المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم، لأن مصلحة المجتمع تقتضي ذلك.
تقادم الدعوى المدنية
بحسب القواعد العامة في القانون المدني المصري، تسقط دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسؤول عنه، وتسقط في كل حال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع. وهذه القاعدة تشمل ما يُكيَّف على أنه مسؤولية تقصيرية. أما إذا كانت المسؤولية عقدية، فقد تخضع لمدد أخرى بحسب القواعد العامة في الالتزامات. وقد تضمنت التشريعات الحديثة المتعلقة بالمسؤولية الطبية أحكامًا خاصة قد تؤثر في المدد والإجراءات، ولذلك يجب الرجوع لنصوصها.
بدء سريان المدة
يبدأ سريان مدة الثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه المريض بالضرر وبمن تسبب فيه، وليس بالضرورة من يوم العلاج. فقد لا يعرف المريض بالضرر إلا بعد فترة، كأن تُكتشف مضاعفة بعد سنوات بفحوصات لاحقة. وهنا يثور النزاع حول وقت العلم، ويقع عبء إثباته على من يتمسك بالتقادم في الغالب، فيحتاج الدفاع إلى أدلة تثبت أن المريض علم أو كان بإمكانه العلم في وقت أبكر، كمراجعاته لأطباء آخرين أو رسائله أو تقارير سابقة.
هل يرتبط هذا الموضوع بواقعة تواجهها؟
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.
تقادم الدعوى الجنائية
بالنسبة للدعوى الجنائية، تختلف المدة بحسب نوع الجريمة. وفي الجنح، ومنها الإصابة الخطأ والقتل الخطأ في الأصل، تنقضي الدعوى الجنائية بمضي ثلاث سنوات من يوم وقوع الجريمة ما لم يحدث ما يقطع هذه المدة. وتتأثر المدد بالتعديلات التشريعية والتكييف القانوني للواقعة وظروفها، ويجب أن يدرس المحامي كل حالة على حدة. وتنقطع المدة بإجراءات التحقيق أو الاتهام أو المحاكمة، وتبدأ مدة جديدة من تاريخ آخر إجراء.
الانقطاع والوقف
قد تنقطع مدة التقادم بأعمال معينة، كالمطالبة القضائية أو الإقرار بالحق، فتبدأ مدة جديدة. وقد تُوقف في أحوال معينة كوجود مانع يتعذر معه المطالبة. وتختلف الأحكام بين المدني والجنائي، ولا يجوز افتراض أن إجراءً ما قطع المدة أو لم يقطعها دون دراسة قانونية. ولذلك قد تكون عبارة بسيطة في مراسلة مع المريض، مثل الإقرار بمسؤولية أو وعد بالتعويض، سببًا في قطع التقادم لصالحه.
الدفع بالتقادم عمليًا
يقدم الدفاع الدفع بالتقادم في الدعاوى المدنية قبل الخوض في الموضوع أو في أول فرصة ملائمة بحسب القواعد الإجرائية، ويبين فيه تاريخ الواقعة وتاريخ العلم ومضي المدة. وقد يحسم هذا الدفع القضية دون الحاجة للتعمق في الخبرة الفنية. غير أن المحكمة قد تفحص بدقة تاريخ العلم، ومن ثم يحتاج الدفاع إلى مستندات واضحة. أما في الدعوى الجنائية فيحق للمتهم التمسك بانقضاء الدعوى بالتقادم في أي مرحلة، ويتعين على المحكمة النظر فيه.
من القراءة إلى فهم موضوعك.
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.
هل يعني التقادم سقوط كل مسؤولية؟
قد تتعدد المسارات، فسقوط الدعوى الجنائية بالتقادم لا يعني دائمًا سقوط الدعوى المدنية، وسقوط الدعوى المدنية لا يؤثر تلقائيًا على المسؤولية التأديبية التي تخضع لقواعدها. ولذلك ينبغي النظر في كل مسار مستقلًا. كما أن بعض المسؤوليات الناشئة عن جرائم عمدية أو جسيمة قد تخضع لقواعد مختلفة، ولا ينبغي تعميم القاعدة دون تدقيق.
نصائح للأطباء بشأن الاحتفاظ بالملفات
لأن الدعاوى قد ترفع بعد مرور سنوات، من المهم أن يحتفظ الطبيب بالملفات الطبية والموافقات والفواتير لمدة طويلة تتناسب مع مدد التقادم، ويفضل أن تتجاوز هذه المدد بهامش أمان. فالتخلص المبكر من الملفات قد يترك الطبيب بلا دليل إذا رُفعت دعوى لاحقة. وينبغي حفظ الملفات بصورة آمنة ومنظمة، مع نسخ احتياطية للملفات الإلكترونية، وتوثيق عمليات الإتلاف عند انقضاء المدة وبإجراءات رسمية.
مثال تطبيقي على حساب المدة
أُجريت لمريض جراحة في عام ما، ثم ظهرت لديه أعراض بعد عامين اكتشف بسببها بالفحص الإشعاعي وجود جسم غريب منسي. في هذه الحالة يُنظر إلى لحظة علمه بالضرر وبمن تسبب فيه، وليس إلى تاريخ الجراحة وحده، مع مراعاة الحد الأقصى المقرر قانونًا. أما إذا كان المريض قد أُبلغ بالمضاعفة في وقت العملية نفسها وسكت سنوات، فيقوى الدفع بالتقادم. ولهذا يفيد أن يوثق الطبيب ما يُبلغ به المريض من نتائج ومضاعفات وتاريخ ذلك.
الخلاصة
التقادم أداة قانونية مهمة تحمي الاستقرار، لكنه ليس بابًا للتهاون في التوثيق. فمدده تختلف بين الدعاوى المدنية والجنائية والمسارات المهنية، وبداية سريانه تتوقف على وقائع قد تكون محل جدل. ولذلك فإن استشارة محامٍ متخصص تساعد على تحديد المدد الصحيحة، والدفع بالتقادم في وقته، والاحتفاظ بالمستندات التي تثبت التواريخ المؤثرة.
كل واقعة لها تفاصيلها. لنتحدث عن موضوعك.
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.