التشخيص هو حجر الأساس في العلاج، وعليه تُبنى كل القرارات اللاحقة. ومع ذلك فهو من أصعب مراحل العمل الطبي، لأن الأعراض كثيرًا ما تتشابه بين أمراض مختلفة، وقد تظهر الحالات الخطيرة في صورة غير نمطية، كما أن المعلومات المتاحة وقت الفحص ناقصة غالبًا. ولذلك تنشأ نسبة معتبرة من الشكاوى الطبية حول التشخيص، سواء بسبب خطئه أو التأخر فيه أو إغفاله. فكيف ينظر القانون إلى هذه الوقائع؟
هل كل تشخيص خاطئ خطأ طبي؟
ليس بالضرورة. فالقانون لا يحاسب الطبيب على عدم الإصابة في التشخيص، بل على الإخلال بالأسلوب الصحيح في الوصول إليه. فقد يصل الطبيب إلى تشخيص غير دقيق رغم اتباعه الأصول، إذا كانت الأعراض مضللة أو المرض نادرًا أو المريض لم يذكر معلومات مهمة. والمعيار هو هل بذل الطبيب العناية الواجبة في الفحص والاستجواب وطلب الفحوصات واستبعاد الاحتمالات الخطيرة، وهل كان سلوكه مطابقًا لما يفعله طبيب مماثل في ظروفه.
صور الخطأ في التشخيص
قد يقع التقصير في عدة صور، منها:
- إهمال أخذ التاريخ المرضي أو الفحص الإكلينيكي الكافي.
- عدم طلب فحوصات ضرورية تتطلبها الأعراض وفق الأصول المتبعة.
- سوء تفسير نتائج الفحوصات أو الأشعة رغم وضوحها.
- الأخذ بتشخيص واحد وإغلاق التفكير دون النظر في الاحتمالات الأخرى الخطيرة.
- التأخر في إحالة المريض إلى متخصص عند وجود علامات تستدعي ذلك.
- عدم المتابعة بعد ظهور تطور غير متوقع في الأعراض.
- تجاهل شكوى المريض المتكررة والاكتفاء بتطمينه.
التأخر في التشخيص
من أكثر القضايا شيوعًا تلك المتعلقة بتأخر اكتشاف مرض خطير، كالأورام أو الجلطات أو الالتهابات الحادة. وهنا لا يكفي أن يثبت أن التشخيص تأخر، بل يجب بيان أن هذا التأخر كان نتيجة تقصير، وأن له أثرًا فعليًا على النتيجة، كأن أدى إلى تفاقم الحالة أو فوات فرصة علاج كانت متاحة. فإذا كان المرض في مرحلة متقدمة لا يغير معها التبكير شيئًا، أو كان التأخر راجعًا إلى المريض نفسه، فقد تنتفي السببية.
هل يرتبط هذا الموضوع بواقعة تواجهها؟
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.
التفكير التشخيصي والتوثيق
يستطيع الطبيب أن يحمي نفسه بتدوين تفكيره التشخيصي، كأن يكتب التشخيص المرجح والاحتمالات التي استبعدها وأسباب استبعادها، وما أوصى به من فحوصات أو متابعة، وعلامات الخطر التي نبه المريض إليها. وإذا كانت الأعراض غامضة، فمن الحكمة أن يُدوَّن أن التشخيص مؤقت ويحتاج إلى مراجعة إذا لم تتحسن الحالة. وهذه الصياغة تظهر أن الطبيب لم يغلق باب الاحتمالات.
دور تعدد الأطباء والمستشفيات
قد يمر المريض بأكثر من طبيب أو منشأة قبل التشخيص النهائي، فيحدث خلاف حول من تحمل مسؤولية التأخر. وتفحص المحكمة والخبراء مسار الرحلة العلاجية كاملة، وتحدد نقطة الانحراف إن وجدت وتنسب كل مرحلة إلى صاحبها. ويحتاج الطبيب إلى توضيح ما كان متاحًا له من معلومات في وقته وما قدمه من نصائح، وألا يتحمل أخطاء مرحلة لم يشارك فيها.
دفوع الطبيب في قضايا التشخيص
- أن الأعراض كانت غير نمطية ولا تشير بوضوح إلى التشخيص الصحيح.
- أنه أجرى الفحوصات المناسبة للمعطيات المتاحة.
- أن المريض لم يلتزم بالمتابعة أو أخفى معلومات مؤثرة.
- أن التأخر لم يغير مسار المرض أو نتيجته.
- أن اختلاف التشخيص يرجع إلى خلاف علمي مشروع لا إلى إهمال.
- أن النتيجة تفسرها طبيعة المرض وسرعة تطوره لا قرار الطبيب.
من القراءة إلى فهم موضوعك.
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.
كيف يتجنب الطبيب هذه المشكلات؟
- يطبق منهجًا منظمًا في الفحص والاستجواب ولا يتعجل.
- يضع في اعتباره التشخيصات الخطيرة قبل الشائعة عند وجود علامات الإنذار.
- يتيح قناة واضحة لعودة المريض إذا تغيرت حالته.
- يستعين برأي زميل أو بالإرشادات الحديثة عند الشك.
- يشرح للمريض أن التشخيص قد يتغير مع تطور الأعراض.
- يدقق في قراءة التقارير والأشعة ولا يكتفي بالملخصات.
مثال تطبيقي على التأخر في التشخيص
مريض يشكو من ألم بطني متكرر مع فقدان وزن، فاكتفى الطبيب بوصف علاج للقولون العصبي دون فحوصات إضافية ولم يحدد موعد متابعة. بعد أشهر اكتُشف ورم متقدم. هنا يبحث الخبير في مدى اتساق الأعراض مع الاكتفاء بالتشخيص البسيط، وهل كانت هناك علامات إنذار تستوجب فحصًا إضافيًا، وهل كان من شأن التبكير تغيير المسار. أما لو كان الطبيب قد طلب الفحوصات المناسبة ودون ما يفيد متابعة المريض، وتخلف المريض عن موعد المتابعة، فالصورة تختلف تمامًا. فالتفاصيل الصغيرة في الملف هي ما يحسم الموقف.
أهمية الإحالة الموثقة
إذا شككت في تشخيص أو احتجت رأيًا آخر، فاكتب في الملف أنك أحلت المريض إلى تخصص معين وسببه وتاريخه، وسلّمه تقريرًا موجزًا بحالته. هذه الخطوة تُظهر أنك لم تغلق الباب أمام الاحتمالات، وتحمي المريض من ضياع الوقت، وتحميك من اتهام الإهمال إذا ظهر لاحقًا أن التشخيص مختلف.
الخلاصة
لا يسأل الطبيب عن مجرد الخطأ في التشخيص، بل عن الإخلال بأسلوب التفكير والفحص الواجبين، مع شرط وجود ضرر وسببية. والتوثيق الجيد للتفكير التشخيصي والمتابعة الواضحة يقللان المخاطر القانونية بدرجة كبيرة. وإذا واجهت بلاغًا يتعلق بالتشخيص، فاستعن بمحامٍ متخصص يعرف كيف يعرض المسار العلمي لقرارك أمام الخبراء والمحكمة.
كل واقعة لها تفاصيلها. لنتحدث عن موضوعك.
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.