يعد تحديد نوع التزام الطبيب من أهم المسائل التي تحدد مسار قضايا المسؤولية الطبية. فهل يتعهد الطبيب بشفاء المريض، أم يتعهد فقط ببذل أفضل جهد؟ الإجابة تؤثر في عبء الإثبات وفي كيفية الحكم على الواقعة. وفي كثير من النزاعات يكون هذا التكييف هو محور الخلاف بين الطرفين.
ما معنى الالتزام ببذل عناية؟
الالتزام ببذل عناية هو أن يبذل المدين جهدًا صادقًا ويقظًا لتحقيق غاية معينة دون أن يضمن الوصول إليها. وفي المجال الطبي، يعني ذلك أن الطبيب يلتزم بتقديم الرعاية المتفقة مع الأصول العلمية المستقرة، ومع ما يبذله طبيب يقظ في ظروفه، لكنه لا يضمن الشفاء. فالشفاء يتوقف على عوامل لا تخضع كلها لإرادته، كاستجابة الجسم وطبيعة المرض والتزام المريض بالعلاج.
وهذا هو الأصل العام في العلاقة بين الطبيب والمريض. ولذلك فإن عدم الشفاء بحد ذاته لا يعد دليلًا على التقصير. وعلى من يدعي الخطأ أن يثبت أن الطبيب لم يبذل العناية الواجبة.
ما معنى الالتزام بتحقيق نتيجة؟
هو التزام يضمن فيه المدين تحقيق نتيجة محددة، فلا يكفي أن يبذل جهدًا، بل يجب أن تتحقق النتيجة، وإلا اعتبر مخلًّا بالتزامه ما لم يثبت سببًا أجنبيًا. وفي الطب يقل هذا النوع، لكنه يظهر في بعض الحالات التي تكون النتيجة فيها محددة ومنضبطة، مثل:
- إجراء تحاليل معملية، حيث يُنتظر دقة النتيجة في حدود المعايير المعروفة.
- تركيب الأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية وفق مواصفات محددة.
- عمليات نقل الدم من حيث سلامة الدم المنقول وتوافقه.
- التعقيم والنظافة وسلامة الأدوات المستخدمة.
- بعض الإجراءات الاختيارية البسيطة التي لا ينطوي أمرها على احتمالات علاجية كبيرة.
الجدل حول جراحات التجميل
تثير جراحات التجميل نقاشًا خاصًا. فالرأي الراجح أن التزام جراح التجميل يظل التزامًا ببذل عناية في الغالب، لأن جسم الإنسان لا يخضع لقياسات مطلقة، لكن القضاء قد يشدد في معيار العناية المطلوبة لأن الإجراء اختياري غير علاجي، ولأن المريض لا يعاني من مرض يبرر المخاطرة. كما أن الوعود الإعلانية بنتائج محددة قد تحول الالتزام إلى التزام أقرب إلى النتيجة في نظر المحكمة. ولذلك يجب على الجراح أن يكون حذرًا في لغة الإعلانات والوعود.
هل يرتبط هذا الموضوع بواقعة تواجهها؟
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.
الأثر العملي على الإثبات
عندما يكون الالتزام ببذل عناية، يقع على المريض عبء إثبات أن الطبيب أخطأ. أما إذا كان الالتزام بتحقيق نتيجة، فإن عدم تحقق النتيجة يكفي لقيام قرينة على المسؤولية، وعلى الطبيب أن يثبت السبب الأجنبي ليدفعها. وهذا فارق هائل في موقف الطرفين، ولذلك يحرص الدفاع على إثبات أن الالتزام محل النزاع من النوع الأول كلما أمكن، ويحرص المدعي على العكس.
كيف يحمي الطبيب نفسه؟
أول ما يجب فعله أن يتجنب الوعود المطلقة. فعبارات مثل "ستشفى تمامًا" أو "لا توجد أي مخاطر" أو "النتيجة مضمونة" تدخل الطبيب في ورطة قانونية إذا لم تتحقق. والأفضل أن يستعمل لغة تعبر عن الاحتمالات العلمية والتوقعات الواقعية. كذلك ينبغي مراجعة المواد الإعلانية والمنشورات على وسائل التواصل التي قد تُفهم على أنها تعهد بنتيجة. ويستحسن أن تتضمن الموافقة المستنيرة فقرة تشرح أن الطب علم احتمالات وأن النتائج تختلف بين المرضى.
معيار العناية المطلوبة
يقاس سلوك الطبيب بمعيار الطبيب المعتاد في مثل ظروفه، ويراعى فيه التخصص والمستوى المهني والإمكانات المتاحة وحالة الاستعجال. ويتطلب القانون عناية أكبر من أصحاب التخصصات الدقيقة، لأن المنتظر منهم مستوى أعلى من المعرفة. كما يؤخذ في الاعتبار مدى توافر الأجهزة والفريق المساعد، فلا يحاسب طبيب في وحدة صحية بسيطة بمعيار مستشفى جامعي متقدم، وإن كان لا يعفى من الإحالة عند عجز الإمكانات.
من القراءة إلى فهم موضوعك.
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.
أمثلة من الواقع العملي
مريضة راجعت جراح أنف بغرض تحسين الشكل، فأخبرها قبل العملية أن النتيجة تتوقف على طبيعة الأنسجة وأن احتمال الحاجة إلى تعديل جراحي لاحق وارد. بعد العملية لم تعجبها النتيجة النهائية. في مثل هذه الحالة يُبحث هل التزم الجراح بالأصول الفنية، وهل أعلمها بالحدود الواقعية للنتيجة، ولا يكفي عدم رضاها للقول بأنه أخل بالتزامه.
مثال آخر: مريض أُجري له تحليل معملي أعطى نتيجة خاطئة بسبب خلل في الجهاز أو في الإجراءات، فبُني عليه علاج غير مناسب. هنا قد يُنظر إلى التزام المعمل على أنه أقرب إلى تحقيق نتيجة دقيقة، فيكون المعمل مسؤولًا ما لم يثبت أن الخطأ لسبب لا يد له فيه. وتبين هذه الأمثلة أن تحديد طبيعة الالتزام يعتمد على نوع العمل الطبي ومحله وظروفه، ويجب تقديره في كل حالة بدقة.
نصيحة في صياغة الخطاب مع المريض
الكلمات التي يستخدمها الطبيب في العيادة تؤثر في تكييف الالتزام لاحقًا. فبدلًا من "سأشفيك"، يمكن القول "سنبدأ العلاج المناسب وأتوقع أن تتحسن الحالة بإذن الله، وسنتابع معًا". وبدلًا من "العملية بسيطة ولا مخاطر فيها"، يمكن القول "هذه عملية شائعة ونسبة نجاحها جيدة، لكن لها مخاطر محتملة سأشرحها لك". هذه الصياغات الصادقة تحمي الطبيب وتبني توقعات واقعية لدى المريض، وتجعل أي نتيجة غير مرغوبة أقل صدمة وأقل ميلًا للنزاع.
الخلاصة
الأصل أن الطبيب ملتزم ببذل عناية لا بتحقيق شفاء، والاستثناءات قليلة ومحددة. ومعرفة هذا التمييز تفيد الطبيب في صياغة خطابه مع المرضى وفي كتابة إعلاناته ونماذجه. وعند نشوء نزاع، فإن تكييف الالتزام بصورة صحيحة قد يحدد من يتحمل عبء الإثبات، ولذلك ينبغي الاستعانة بمحامٍ متخصص يعرف كيف يعرض هذا التكييف أمام المحكمة.
كل واقعة لها تفاصيلها. لنتحدث عن موضوعك.
تواصل مع فريق من المحامين وأعضاء الطب الشرعي لمناقشة موضوعك وتحديد الخطوة المناسبة.